Monday, 15 May 2023

لوحة إيفان الرهيب وابنه إيفان

 

كان إيفان الرابع فاسيليفيتش، المعروف أيضًا باسم إيفان الرهيب، أول قيصر لروسيا، حكم من عام 1547 حتى وفاته عام 1584. لقد كان شخصية معقدة ومتناقضة، على درجة كبيرة من القسوة الكبيرة والإنجازات العظيمة.

ولد إيفان عام 1530، وكان والده فاسيلي الثالث، أمير موسكو الكبير. تميزت سنوات حياة إيفان الأولى بعدم الاستقرار السياسي والمكائد. كان محاطًا بنبلاء أقوياء، تنافسوا من أجل السيطرة على الأمير الشاب.

في عام 1547، توج إيفان قيصرا على روسيا عن عمر يناهز 17 عامًا. سرعان ما أثبت أنه حاكم قادر وحيوي. قام بعدد من الإصلاحات، بما في ذلك وضع القوانين وإنشاء جيش نظامي. كما قاد روسيا إلى النصر في عدد من الحروب.


ومع ذلك، تميز عهد إيفان أيضًا بالعنف والقسوة. كان عرضة لنوبات الغضب، وكثيراً ما كان يُعدم أو يعذب خصومه. في عام 1565، أنشأ قوة شرطة سرية كانت مسؤولة عن تنفيذ أكثر أوامره وحشية.

انتهى عهد إيفان بمأساة. في عام 1581، حيث قام بقتل ابنه، إيفان إيفانوفيتش، في نوبة من الغضب. ثم توفي في العام التالي، وترك ابنه فيودور لخلافته.

إيفان الرهيب شخصية مثيرة للجدل. غالبًا ما يُنظر إليه على أنه حاكم وحشي وطغيان، لكن يُنسب إليه أيضًا الفضل في توحيد روسيا وإرساء الأسس لعظمة البلاد في المستقبل.

رسم لوحة إيفان الرهيب وابنه إيفان الفنان الواقعي الروسي إيليا ريبين، تم رسمها بين عامي 1883 و 1885. وهي تصور القيصر الروسي المنكوب بالحزن إيفان الرهيب وهو يحتضن ابنه المحتضر. تلقى إيفان الأكبر ضربة قاتلة على رأس ابنه في نوبة من الغضب. تصور اللوحة الألم والندم على وجه إيفان الأكبر ولطف تساريفيتش المحتضر، متسامحًا مع والده بدموعه.

تستند اللوحة إلى حدث تاريخي حينما كان إيفان الرهيب يتجادل مع ابنه إيفان إيفانوفيتش حول زواج الأخير من يلينا شيريميتيفا. اشتد الجدل بينهما، وضرب إيفان الرهيب ابنه على رأسه بعمود. كانت الضربة قاتلة، وتوفي إيفان إيفانوفيتش في اليوم التالي.

تدمرت روح إيفان الرهيب بوفاة ابنه. ويقال إنه بكى بكاءا شديدا، ورفض أن يأكل أو يشرب لأيام. تجسد اللوحة التي رسمها إيليا ريبين الحزن والندم اللذين شعر بهما إيفان الرهيب لفقدان ابنه.

Saturday, 29 April 2023

مراجعة كتاب النسيان - أكتور أباد فاسيولينسي

 

مراجعة كتاب النسيان

 

"انني استخرج هذه الذكريات من داخلي، بما يشبه الولادة أو استئصال مرض خبيث ... أن الذكريات تشبه أصداف البحر الخالدة المبعثرة على شاطئ من النسيان".

وُلد أكتور أباد فاسيولينسي في العام 1958 بمدينة ميديلين في كولومبيا، حيث درس الطب والفلسفة والصحافة. إلا أنه لم يتم دراسة أي من هذه التخصصات بعد أن تعرض للطرد من جامعة "بونتيفيسيا" بسبب مقال كتبه معاد للبابا. سافر أكتور إلى إيطاليا بعد ذلك حيث درس الآداب الحديثة ثم عاد إلى كولومبيا في العام 1987. وهو نفس العام الذي تعرض فيه والده للاغتيال على يد الجماعات شبه العسكرية، كما تلقى أكتور تهديدات بالقتل مما اضطره للسفر إلى إيطاليا مرة أخرى وعمل في تدريس اللغة الاسبانية حتى عودته الثانية لكولومبيا في العام 1992.

بدأ أكتور مشواره الأدبي مبكرا، حيث حصل على الجائزة الوطنية للقصة القصيرة في العام 1980 عن قصة "أحجار الصمت" وهو في سن الحادية والعشرين. وقد نشر عددا من الأعمال الأدبية كرواية "علاقات السيد الماجن، 1994"، و "شذرات حب عابر، 1998"، و "قمامة، 2000" و "أنجوسا، 2003" وغيرها. إلا أن أشهر أعماله وأوفرها حظا هي العمل الحالي الذي نتحدث عنه وهو مذكراته بعنوان "النسيان".

وهذه المذكرات كتبها المؤلف بالحب والدم. حبه لعائلته ولوطنه، والدم الذي يربطه بوالده، والدم المسفوح في القتل والطغيان في بلده كولومبيا. سعى أكتور من خلال سطوره أن ينفس عما يجول في صدره من آلام عايشها شخصيا، وكذلك حاول أن يسجل للتاريخ وقفة محاسبة تجاه الصراع العنيف الذي عانته بلاده لسنوات طويلة.

تقدم هذه المذكرات تقييما معقدا للحياة العامة في كولومبيا. تلك الحياة النابضة بالمواقف الإنسانية السعيدة والمؤلمة والكثير الكثير من العنف والدماء.

أعرب الروائي الكولومبي الكبير – غابريل غارسيا ماركيز – ذات مرة عن ألمه بشأن الحرب الدائرة في بلده قائلا: كانت هناك دائما حرب أهلية في بلدي. وستظل هذه الحرب موجودة دائما. إنها طريقة الحياة.

استمرت الحرب في كولومبيا بما لا يقل عن 150 عاما، بين الليبراليين والمحافظين (الأحزاب الرئيسة في كولومبيا)، وبين العلمانيين والكاثوليك، والثوار المسلحين، وأباطرة المخدرات، والجيش. مما اضطر الكولومبيين للعيش في ما يشبه العصور الوسطى التي لا تنتهي – بحسب تعبير جارسيا ماركيز. هذه الدراما الوطنية ألقت بظلها بطريقة أو بأخرى على كل عائلة كولومبية – وقد نالت عائلة أكتور نصيبها من هذه المعاناة.

يحفل الكتاب بالأفكار السياسية بالمقام الأول، ولكنه لا يخلو من لمسات شخصية وإنسانية تتمثل في الحديث عن تفاصيل طفولة المؤلف ومراهقته، وقد رسم بكلماته لوحة معبرة عن الظروف الاجتماعية والسياسية التي عايشها بكل تفاصيلها (زمانا ومكانا). المكان هو مدينة (ميديلين) ثاني أكبر مدن كولومبيا. أما الزمان ففي الفترة الممتدة من أوائل الستينات من القرن الماضي حتى العام 1987. الشخصية الأساسية في المذكرات هي والد المؤلف.

يقول أكتور: لقد أحببت والدي واحببت رائحته، ذكرى رائحته على السرير عندما كان بعيدا في رحلة، شعرت تجاه والدي بنفس الشعور الذي كان يشعر به أصدقائي تجاه أمهاتهم. لم يكن أبي يقول لي لا أبدا. كان المؤلف يسمي والده المنقذ الوحيد الحقيقي، أو الفارس الوحيد الذي أنار كل شيء بالنسبة لي بنور ذكاءه.

هذا العقد الرقيق بين الأب والابن لم يكسر قط. وإن شاب هذه العلاقة شيء من القسوة أحيانا. ولكن ذلك لم يكسر قوة الحب بينهما.

كان الأب يؤمن بإغداق الحب على الطفل دون تحفظ بالعناق المستمر والقبل المفرطة. لم يكن الأب ثريا، ولكنه ترك محفظته مفتوحة لأطفاله وسمح لهم بالتغيب عن المدرسة ليوم إذا رغبوا في ذلك. لك يكن يضربهم قط ولم يجبرهم على أكل ما لا يحبون. اعتبر الأب أن السعادة هي أفضل شكل من أشكال التعليم. وهذا ما ساهم في تكوين عائلة من الأفراد الذين يتمتعون بالسعادة والثقافة والجمال. لا يتوقف المؤلف عن التفكير بأن حب والده الخانق أحيانا ربما كان طريقة للتعويض عن رحيله المتكرر وابتعاده للعمل خارج البلاد.

كان الأب يحتل كل بوصة من نفسية ابنه. والابن الذي صار مؤلفا ذو شأن وصحفي معروف في كولومبيا كان لا يزال يقيس سلوكه من خلال سؤال نفسه – ماذا كان والدي سيفعل لو كان مكاني في هذا الموقف. إني لأجد نفسي أطيعه حتى الآن.

عمل الأب طبيبا متخصصا في علم الأوبئة. ولكنه كان يكره الدم، الجروح، القيح، البثور، الألم، الأمعاء، السوائل وكل ما هو ملازم لممارسة الطب اليومي. بدلا من ذلك كان شغوفا بالطب الوقائي والعمل على توفير المياه النظيفة، والصرف الصحي الجيد والقضاء على الفقر.

وأسس المدرسة الوطنية الكولومبية للطب العام. ولم يخف مناهضته للكاثوليكية واتصف باللامبالاة تجاه المال (حيث كان يعطي معظم راتبه المتواضع لطلبته وأصدقاؤه). كما اتصف بالتسامح بشكل مفرط، وحرص على المشاركة بنشاط في رعاية أطفاله. بحسب روايته ابنه كان الأب مجنونا، لطيفا، ليبراليا يسعى من أجل العدالة الاجتماعية، وإن كان يعلم بأن أفكاره محكوم عليها بالفشل.

انصب اهتمام الأب بالطب الوقائي وسعى لتوفير مياه الشرب النظيفة والتطعيمات لفقراء كولومبيا. وفي أثناء عمله كمدرس للطب كان يجبر طلابه على دراسة الأمراض الناجمة عن الفقر في أحياء المدن الفقيرة على أمل أن يتعلموا الطب لخدمة هذه الفئات المحرومة وليس لعلاج الأثرياء في العيادات الخاصة.

يستسلم المؤلف أحيانا لإضفاء القداسة على والده، ولكنه في أحيان أخرى يصفه بأنه هجين أيديولوجي. فقد وصفه التيار اليساري بأنه برجوازي بسبب معارضته للكفاح المسلح وتحالفه العرضي مع السياسيين المحافظين الذي يمكن توطيد العلاقة معهم لتعزيز سياسيات الرعاية الصحية التي اقترحها. ولكن كان أعداؤه السياسيين تيار اليمين بالدرجة الأولى. ولو كان يعيش في الولايات المتحدة لكان من الممكن أن يعد واحدا من الديموقراطيين ذوي الميول اليسارية. ولكن في كولومبيا اكتسب عداوة الجهات الرسمية بسبب مبادراته الناقدة والهادفة لتطوير الأحياء الفقيرة.

الانقسامات الأيدولوجية الواضحة في عائلة المؤلف عكست بوضوح الانقسامات القائمة في البلد ككل. فقد كانت والدة المؤلف مسيحية متدينة تواظب على حضور الكنيسية يوميا. وقد نشأت في ظل أسرة بها الكثير من الأساقفة والكهنة المناهضين لليبرالية – بدرجة تصل للتطرف أحيانا. أما أقارب المؤلف من جهة الأب فقد كانوا مشتتين بين الاتجاه الليبرالي والاتجاه المحافظ. وتجدر الإشارة إلى أن جد المؤلف كان مستهدفا وتعرض للتهديد بالقتل مما اضطره إلى التخلي عن مزرعته والفرار مع أطفاله إلى منطقة نائية أكثر أمنا في البلاد. وهذا ما جعله أوفر حظا من العديد من الكولومبيين خلال الحرب الأهلية غير المعلنة والمعروفة باسم La Violencia  والتي اندلعت في العام 1948 واستمرت لعقد من الزمن تقريبا واسفرت عن مقتل ما يقارب مائتي ألف كولومبي. وحتى بعد انتهاء تلك الحرب لم تنعم الدولة بالاستقرار واستمر الصراع الدامي.

سافر والد المؤلف للعمل مستشارا في منظمة الصحة العالمية مبتعدا عن تلك الأجواء وكان غيابه يمثل للمؤلف حرمانا من الشعور بالأمن والحماية مما اعتبره بمثابة "الموت حيا".

أصرت الأم على الحاقه بمدرسة دينية مسيحية ولم يكن الأب راضيا عن ذلك في قرارة نفسه حيث قال: اذهب إلى القداس حتى لا تقلق والدتك، ولكن تذكر أن ذلك كله أكاذيب. ولكن هذا الاختلاف الفكري بين الأب والأم لم ينتج عنه خلاف يضعف زواجهم. فكان للأم فطنة مالية مكنتها من تأسيس مكتب تجاري تحول لشركة مزدهرة مما ساهم في استقرار الأسرة ماديا وسمح للأب والأم بالمحافظة على استقلالهم الايدلوجي والفكري.

اضطر الأب للتخلي عن منصبه كأستاذ لمادة الطب خلال تصاعد العنف السياسي. حيث كان الأب يندد بفرق الموت التي كانت تستهدف المعارضين السياسيين والذي كان أفرادها يتمتعون بالحماية والافلات من العقاب. تلك الفرق كانت تستهدف أساسا العصابات اليسارية المتطرفة المسيطرة على المناطق الريفية ولكنها كثيرا ما توسع نطاق أهدافها لتشمل كل خصومها ومعارضيها. كان الأب من القلة الذين يجرؤن على مواجهتهم وذلك جعله منبوذا ومن ضمن الأسماء في قائمة الاغتيالات. لم تخلو تلك العمليات من البربرية، حيث لم يكن يتم تصفية الضحايا فحسب، وإنما يتم تقطيع أطرافهم والتمثيل بهم. في إحدى عمليات القتل البربرية تلك تم تقييد طالب على عمود وتم تفجيره بقنبلة يدوية حولته إلى أشلاء.

شعر الأب حينذاك بأنه لن يكون قادرا على العيش مع نفسه إذا التزم الصمت. وشعر بالخطر المحدق به واعتبر استشهاده بمثابة الموت الجميل. وبالفعل تم تصفية الأب في أحد شوارع مدينة ميديلين على أيدى عصابة مجهولة.

انتظر المؤلف عشرون عاما لكي يكتب مذكراته واعتبر أن الانتظار أمر ضروري حيث أعطى نفسه فرصة كافية لتجنب "الخطر المزدوج المتمثل في الحنين إلى الماضي والشعور بالمرارة اليائسة".

في الختام – يقول المؤلف: "لم أشعر أبدا بأنني شخص جيد، ولكنني أعتقد بأنه بفضل والدي تمكنت أحيانا من أكون رجلا سيئا (غير ممارس)".

 

المصادر:

Héctor Abad. Oblivion: A Memoir (2013)

Michael Greenberg. Letter to my father. New York Times. (18/5/2012)

Dwight Garner. Honouring a father’s memory with words craved more deeply then an epitaph.

 

 

 

مراجعة كتاب القوانين الأساسية للغباء البشري

 

 

مراجعة كتاب القوانين الأساسية للغباء البشري

للمؤلف الإيطالي كارلو ماريا تشيبولا

بقلم: أسامة المهدي

 

تواجه البشرية عبر تاريخها الكثير من المصائب، وعندما نبحث عن أسبابها نجد مجموعة من البشر يعملون معا بقوة قصوى وتأثير عظيم يتجاوز قوة عصابات المافيا والجيوش الجرارة وذوي المال والنفوذ. إنهم جماعة غير منظمة، تعمل بلا قانون، ليس لهم رئيس ولا زعيم. ومع ذلك فهم يعملون بتناغم مذهل وكأنما هناك يد خفية توجه كل فرد منهم لإتمام مهمته الخطرة على أتم وجه. هذه الجماعة هم الأغبياء.

القانون الأول: "سيكون هناك بشر أغبياء أكثر مما تظن". فغالبا ما نتفاجأ من غباء أشخاص لطالما اعتقدنا بأنهم يتمتعون بالذكاء أو لأنهم يحملون شهادة ما أو يحتلون منصبا ما.

القانون الثاني: "احتمالية أن يكون شخص ما غبياً، مستقلة عن أي سمة أخرى يتصف بها هذا الشخص" (المكان، الزمان، الوظيفة، الدرجة العلمية، المستوى الاجتماعي). بمعنى أن الغباء موزع على البشرية حاله حال لون العيون أو طول القامة أو قصرها. أي أنه محكوم بالطبيعة وليس بالتربية أو الجنس أو المستوى العلمي أو المادي أو الاجتماعي، ولا الوظيفة أو المكان أو الزمان، وهو موجود في كافة المجتمعات والشعوب. بل أنه موجود حتى بين الحاصلين على جوائز نوبل. يرى المؤلف أن الغباء هو آلية طبيعية موجودة لكبح جماح التطور البشري المتسارع.   

القانون الثالث: "الشخص الغبي هو ذاك الذي يكبد شخصاً آخر أو أشخاصاً آخرين خسائر، وفي الوقت ذاته لا يحقق لنفسه أي مكسب، بل لعله يتكبد خسائر أيضاً". هناك أربعة أنواع من البشر:

-         المغلوب على أمره: والذي يخسر مقابل فوز الطرف الآخر.

-         الذكي: والذي يربح، وكذلك يربح الطرف الآخر.

-         اللص: والذي يربح، على حساب خسارة الطرف الآخر.

-         الغبي: الذي يخسر وكذلك يجعل الآخرين يخسرون.

لماذا يصل الشخص الغبي للمنصب الهام في كثير من الأحيان؟ ساهم التقسيم الاجتماعي الطبقي في الماضي إضافة إلى السلطة الدينية إلى صعود نجم الكثير من الأغبياء واحتلالهم مناصب مهمة، وفي الوقت الحالي تلعب البيروقراطية والديموقراطية الدور نفسه (حيث يقوم الأغبياء بانتخاب المرشحين الأغبياء كذلك). ما يميز الأغبياء أن تصرفاتهم غير عقلانية، يصعب فهمها أو التنبؤ بها وهذا يؤدي إلى صعوبة التعامل معهم بعقلانية أو الاستعداد للتصرف عندما يقدمون على حماقة ما بصورة مفاجئة.    

القانون الرابع: " دائماً ما يقلل غير الأغبياء من شأن قدرة الأغبياء على إلحاق الأذى، وبالتالي، فإن إغفال تصرفات الأغبياء من قبل غير الأغبياء من شأنه أن يكبد الجنس البشري خسائر لا حصر لها." الشخص الغبي هو الأكثر خطرا على الجنس البشري.  

الفلسفة الرواقية وقصر الحياة

يعد سينيكا من أشهر فلاسفة الرواقية الرومان، إضافة إلى ماركوس أرليوس و أبكتتوس، وقد عمل مستشارا للإمبراطور الدموي نيرو. كتب سينيكا هذا الكتاب القصير حوالي سنة خمسين قبل الميلاد كمقالة طويلة موجهة لمسؤول روماني كبير ينصحه فيها حول كيفية استعادة السيطرة على الحياة بالعيش على أكمل وجه.

الفكرة الأساسية في الكتاب: ليست المشكلة بأن لدينا وقت قصير للعيش في هذه الحياة، ولكن المشكلة أننا نهدر الكثير من الوقت على أمور لا تفيدنا. هذه الأمور تجعلنا نخسر حياتنا الوحيدة التي لا يمكن تعويضها.

يرى سينيكا أننا نعيش حياة قصيرة بسبب انشغالنا بطموحات كبيرة قد تؤدي لخسارة وقتنا، مثال على ذلك الانشغال بجمع المال دون توفر الوقت للاستمتاع بصرفه، أو الانخراط في الرذيلة والملذات التي لا تجلب للإنسان سوى الندم والحسرة، أو الانشغال بإرضاء الآخرين ورسم صورة اجتماعية تسعى لكسب انتباه الاخرين من خلال المباهاة والمبالغة في المظاهر، أو الإدمان على العمل لدرجة تفقد الإنسان طعم الحياة بسبب العيش المستمر في حالة من القلق والتوتر. يؤكد سينيكا أن العديد من الناس يحرص على أمواله سواء بالادخار أو الاستثمار ولكنه يبدد وقته دون أن يعرف أن الوقت أثمن من المال.

يرى سينيكا أن الحل الممكن هو اهتمام الانسان بالتأمل في أحواله ومراجعة نفسه من خلال قراءة الفلسفة، والعمل على تحديد أهداف ذات مغزى يسعى الإنسان لتحقيقيها ولا يتشتت أو يتراخى في تنفيذها، وكذلك تخصيص وقت للترفيه والتسلية بصورة متوازنة.

الإنسان من وجهة نظر سينيكا يعيش حياة واحدة ولكنه يظن أن الوقت الذي يهدره سيتم تعويضه لاحقا، ولا يدرك ذلك إلا بعد فوات الأوان. إن إضاعة الوقت هو أسوأ شيء يمكن أن يفعله الإنسان، وهناك الكثير من الأمور والأشخاص الذين يسلبون وقت الإنسان. لذلك تقدم الرواقية نصيحة وهي (تذكر دائما أنك ستموت) ولا تضيع ثانية من وقتك إلا فيما هو مفيد لك أو يخدم هدفك في الحياة.

يقول سينيكا أن الإنجازات العظيمة في الحياة لها ثمن غال وهو وقت الإنسان والحياة المليئة بالالتزامات والخالية من وقت الفراغ أو الراحة. وقد كان القيصر أوغسطوس يتنمى الانعتاق من مسؤوليات العديدة ويتوق للعيش في حياة تسودها الطمأنينة والسكينة وأن يعيش يوما واحد لنفسه. فهذا القيصر رغم فتوحاته العظيمة وسيطرته على البشر، لم يتمكن من السيطرة على حياته لأنه لم يكن حرا في استخدام وقته بالطريقة التي يريدها. إن العظمة من وجهة النظر الرواقية قد تكون فخا مروعا، فتلك المسؤوليات تقضي على الحياة الوحيدة الممكنة للإنسان.

يؤكد سينيكا على التوازن في حياة الإنسان. فلا تكون كل الأيام عمل وكد وجهد، ولا تكون كذلك راحة وترفيه بلا معنى. المهم هو تحكم الإنسان في وقته واختياراته. كما انتقد  سينيكا نمط الحياة القائمة على المظاهر والمباهاة واعتبرها مضيعة للوقت. ولهذه النقطة علاقة كبيرة بنمط الحياة المادي الاستهلاكي الذي نعيشه في حياتنا الحديثة. حيث باتت وسائل التواصل الاجتماعي من أهم عوامل التشتيت وضياع الوقت، وقيل أن شاشات الهواتف والتلفاز تمتص روح الإنسان وتحول حياته إلى مجرد وجود بلا معنى.

من أهم الدروس المستقاة من هذا الكتاب: أن البعض من الناس يمكن اعتبار حياته كالقارب الراسي في الميناء، يهتز يمينا وشمالا وتتلاطمه الأمواج، ولكنه لم يبحر يوما ما بعيدا عن الشاطئ. فحياة الانسان في هذه الحالة مجرد دوران في نفس المكان. ولتجنب هذه المشكلة لابد للإنسان أن يسأل نفسه يوميا: هل أعيش هذه الحياة حقا؟ وكيف أعيش الحياة بصورة أفضل؟ كما لابد للإنسان أن يتذكر الموت يوميا وأن ما تبقى من أيام الحياة لابد من استثمارها على أكمل وجه.


Wednesday, 20 January 2021

كيف تغير عاداتك اليومية في ثلاث خطوات؟

 

يقول بابلو نيرودا: "ميت هو ذاك الذي يصبح عبدا لعاداته، مكررا نفسه كل يوم". فهل تعلم عزيزي القاريء بأن نصف القرارات التي نتخذها في تصريف شؤون حياتنا اليومية ليست قرارات واعية وإنما هي أفعال مبنية على التعود. فالعادات تلعب دورا هاما في حياتنا ونحن نستسلم لها دون أن نشعر دائما بسيطرتها علينا. إن الحياة هي مجموع العادات التي نمارسها سواء أكانت إيجابية أو سلبية، ويمكن للإنسان تغيير مجريات حياته من خلال ضبط وتطوير عاداته نحو الأفضل. ولكن تغيير العادات ليس أمرا سهلا، فالأنسان يحتاج ما يقارب ستة عشر يوما لكي تثبت عادة ما في عقله، والعادات لا تختفي ولكن يمكن أن تُهزَم وتستبدل بعادات أخرى تحل محلها. وقد كشفت الدراسات على سبيل المثال أن اعتياد الانسان على تقبل ذاته بشكل يومي ومستمر يمكن أن يقود إلى شعور الإنسان بالسعادة على المدى البعيد وذلك مثال على العادة الايجابية.

كيف تتكون العادات؟ إن العادات لدى الإنسان متنوعة، فمنها البسيط مثل التعود على شرب كوب القهوة الصباحي يوميا، ومنها المعقد كالهروب من المشكلات عند وقوعها أو تعود الكذب والمراوغة، وجميعها عادات لا تنشأ لدى الإنسان بين يوم وليلة وإنما يعتادها الإنسان تدريجيا حتى تستقر في حياته وتتحول تدريجيا إلى مكون من طبيعته النفسية. يستخدم العقل العادات كأداة لزيادة فاعلية أداءه، فالعقل يحول سلوكياتنا وأعمالنا اليومية إلى عادات روتينية نقوم بها تلقائيا دون الحاجة إلى الكثير من التفكير. وهذا يسمح للعقل باستغلال طاقته وتوجيهها للتفكير في أمور أكثر أهمية وحل مشكلات جديدة طارئة. هذه الاستراتيجية التي يوظفها العقل لها فوائد كثيرة للإنسان بحيث تحسن أداء التفكير و لا ترهق العقل بالتفكير في الأمور الروتينية والبسيطة باستمرار. ومن الملاحظ أننا عندما نقوم بأمر ما للمرة الأولى فإننا نواجه الكثير من الصعوبة أو نحتاج لطاقة إضافية للتركيز – مثال على ذلك التدرب على قيادة السيارة – ولكن إذا قمنا بهذا العمل مرارا وتكرارا فإن العمل يصير أكثر سهولة وتقل الحاجة للطاقة العقلية لأدائه وتسمى هذه العملية (التجميع Chunking) وهي أصل تكون العادة لدى الفرد. ونحن نلجأ بشكل لا واعي لعملية التجميع هذه في أداء المهمات والافعال المتكررة دائما في حياتنا اليومية.

هناك ثلاث خطوات أساسية (Loop)لتكوين العادة وهي كما يلي:

الإشارة (Cue) وهي التنبيهات التي تؤشر للعقل أين ومتى وأي عادة نستخدم في موقف معين. مثال على ذلك الشعور بالملل أو التوتر.

التكرار أو الروتين (Routine) ويتمثل في الفعل أو السلوك الذي يلي الإشارة. مثال على ذلك عند الشعور بالملل أو التوتر يلجأ الفرد للكحول أو التدخين.

المكافأة (Reward) وهو الشعور الذي يلي الروتين ومن خلاله يحدد العقل الرغبة في عمل الروتين مرة أخرى. مثلا الشعور بالسعادة أو الاسترخاء بعد تناول الكحول أو التدخين يدفع الفرد لتكرار نفس الفعل عند الشعور بالملل أو التوتر.

إن (الإشارة والمكافأة) لها تأثير قوي في تكوين العادات فهي السبب في نشوء الرغبة التي تدفع لتكرار السلوك أو الأفعال فتتحول بمرور الوقت لعادة متأصلة يصعب الإقلاع عنها. فتناول الكحول أو التدخين بعد الشعور بالملل والتوتر قد يتحول لإدمان إذا تم ممارسته بصورة مستمرة.

ماذا نفعل إذا أردنا تغيير تلك العادة؟ لا يكفي فقط الغاء (الروتين) – مثلا التوقف عن الشرب أو التدخين أو تناول الأطعمة السكرية – فالعقل في هذه الحالة سيضطرب لأن دورة تكوين العادة ستصاب بخلل أو فجوة تزيد من الحاح العقل للحصول على المكافأة (السعادة والاسترخاء). ولذلك لابد من استبدال (الروتين) الحالي – الشرب أو التدخين أو تناول الطعام السكري – بروتين آخر يعوض ويعطي نفس المفعول (الشعور بالسعادة). فمثلا عند الشعور بالملل، يلجأ الفرد لممارسة الرياضة أو مشاهدة فيلم ممتع بدلا من شرب الكحول أو التدخين أو الافراط في الطعام. هذه الأنشطة البديلة ستعطي نفس المفعول (الشعور بالاسترخاء) مما يجعل العقل مرتاح لأن الدورة الثلاثية تعمل بشكل صحيح. مع مرور الوقت سيتم استبدال الروتين السيء بالروتين الجيد ويتم استبدال العادة السلبية بأخرى إيجابية.  

هذه الدورة المكونة من ثلاثة أجزاء يمكن الاستفادة منها في فهم كيفية التحكم في العادات وتغييرها نحو الأفضل. يسعى الكثير من الناس التخلص من عادات معينة في حياتهم كالتدخين أو تناول الأطعمة غير الصحية ولكن يواجهون صعوبة في الإقلاع عنها فالرعبة أقوى بالرغم من كثرة المحاولات. المشكلة هنا ليست في قلة الإرادة وإنما في عدم فهم كيفية تكوين العادة وكيفية استبدال جزئية (الروتين). ولذلك ينبغي عند الرغبة في الإقلاع عن عادة معينة أولا تفحص (الروتين) أي تفحص السلوك المراد تغييره (كالتدخين أو الافراط في تناول الطعام مثلا) فما السبب الذي يدفعك للتدخين وما الشعور الذي ترغب بالوصول له وتجده من خلال ممارسة هذا السلوك. وكذلك ينبغي معرفة العوامل التي تعزز من تكرار هذا السلوك.

ختاما، كل إنسان هو قبطان سفينته. فقد يرى بأنه لا يملك حيلة و يشعر بالانهزام الذاتي أمام عاداته. ولكن في الواقع بإمكان الانسان ترك عاداته السلبية واستبدالها بعادات إيجابية متى ما فهم طريقة تكوين هذه العادات وحاول تغييره وضبطها نحو الأفضل.

 

Tuesday, 19 January 2021

مستويات السعادة - الانتقال من السعادة الذاتية إلى السعادة الكونية

 

يسعى جميع البشر لتحقيق السعادة. وكما يقول أرسطو بأن السعادة هي الأمر الوحيد الذي نرغب به لذاته، وكل ما نعمل في الحياة إنما هو سعي لتحقيق غاية نهائية تتمثل في السعادة. ولكن السعادة ليست مفهوما بسيطا يسهل فهمه ولا شيئا ملموسا يمكن قياسه، فعندما نسأل: ما هي السعادة؟ لا توجد إجابة مباشرة لهذا السؤال؟، لأن السؤال ذاته ليس واضحا أو محددا. فهل السعادة حالة عقلية؟ أم أنها حالة نفسية (كالشعور بالرضا عن الحياة التي نعيشها)، هل السعادة هي اللذة أو المتعة؟ هل السعادة هي المشاعر الإيجابية؟ أم أن السعادة هي مجمل ما يحققه الإنسان في حياته من خير وطمأنينة وفائدة لنفسه وللآخرين. ولكي نتعرف قليلا عن فلسفة السعادة، لنبدأ مع مفهوم أرسطو للسعادة والذي قام بتقسيمها إلى أربع مستويات:

مستوى السعادة الأول Laetus))  حيث ترتبط السعادة بالأمور المادية وتكون مجرد اشباع حسي يعتمد على أمور خارجية وليست ذاتية. وتولد تلك الأمور المادية الشعور بالسعادة والذي عال في البداية ولكنه مؤقت أي لا يبقى أثره على المدى البعيد. وهذا النوع من السعادة مهم للإنسان بالطبع، ولكن الاهتمام بإشباع هذا الجانب فقط دون غيره قد يحول حياة الإنسان إلى حياة سطحية بلا معنى. فلذة الامتلاك ومتع الحياة المادية لها حدود – كالسعادة التي تشعر بها عند اقتناء سيارة فاخرة أو قضاء عطلة في بلد ما أو تناول وجبة لذيذة في مطعم راق. فتلك الأمور تبعث على السعادة الآنية ولا غضاضة في الاستمتاع بها، ولكن المشكلة تكمن إذا اعتمد الانسان على ذلك النوع من السعادة كمصدر وحيد للسرور والفرح، ولذلك لابد من الأخذ بعين الاعتبار مصادر ومستويات السعادة الأخرى كذلك.

مستوى السعادة الثاني(Felix – Ego Gratification) وفيه يسعى الانسان للسعادة من خلال مقارنة نفسه مع الآخرين وشعوره المستمر بأنه ينال احتراما وتقديرا أكثر منهم. ومثال على ذلك شعور الإنسان بالسعادة عند الفوز بجائزة أو مسابقة أو الحصول على ترقية ما. ومن المعلوم بأن الجميع يسعد بالفوز والتقدير بدرجات مختلفة، فهناك من يرى بأن المنافسة هي محور حياته وهي كل شيء بالنسبة له، وهناك من لا تعني له المنافسة الشيء الكثير، باعتبارها أمر عادي ولذة مؤقتة. تجدر الإشارة إلى إن السعادة القائمة على المقارنة المستمرة مع الآخرين ليست سعادة مستقرة، وذلك لأن لا يمكن لأحد أن يكون الفائز دائما في جميع نواحي الحياة في جميع الأوقات. إن الولع بهذا النوع من السعادة المبنية على المقارنة له عواقب وخيمة، ولاسيما عند التعرض للفشل، فقد تتحول السعادة إلى احباط وشعور بالدونية والانهزام النفسي. إن التركيز المبالغ به على المنافسة والمقارنة وتضخيم الذات قد يعرض الإنسان كذلك لابتعاد الناس المحيطين ونفورهم منه، وكذلك الوقوع في الغرور والاستغراق في الذات، الشعور بالغيرة، أو السخرية واستصغار الآخرين.  

مستوى السعادة الثالث (Beatitudo) ويكمن في الرغبة في إسعاد الآخرين من خلال عمل الخير وتحويل العالم لمكان أفضل. هذا المستوى من السعادة يعتمد على رغبة الإنسان في التواصل، تقديم يد العون، تحقيق غاية سامية، التعاطف، الصداقة والتي يمكن اختصارها جميعا في كلمة (الحب). في هذا المستوى يستمد الإنسان سعادته بالابتعاد عن نفسه ورغباته الشخصية الضيقة والسعي لإسعاد الآخرين. ما يميز هذا النوع من السعادة أنها أكثر بقاءا واستمرارا وتكون المشاعر فيها أكثر عمقا مقارنة بنوع السعادة الأولى والثانية. إلا أن المستوى الثالث قد يصعب تحقيقه باستمرار لأن الطبيعة البشرية ليست كاملة أو مثالية والعلاقات الإنسانية بطبيعتها تشوبها الأنانية، خيبة الأمل، الغيرة، وجرح مشاعر الآخرين.  

مستوى السعادة الرابع (Sublime Beatitudo) وهي السعادة المطلقة والتامة. وهي سعادة يصعب شرحها أو وصفها لأنها سعي حثيث تحو تحقيق ذروة الكمال من خلال إيجاد التوازن الصحيح لمستويات السعادة الثلاث السابقة. ويسمي علماء النفس هذا المستوى بالرغبة للوصول للسعادة المطلقة والرغبة في التواصل مع الكون الأوسع تحقيقا للسمو والارتقاء بالنفس البشرية. وهناك من يسعى لتحقيق هذه السعادة المطلقة من خلال الالتزام الديني والتصوف، أو التأمل والفلسفة، أو من خلال الفن والعلم. وتتحقق هذه السعادة لدى الإنسان من خلال سعيه للوصول لإجابة شافية عن الأسئلة الكبرى التي تشغل عقله وضميره والتي ليس لها إجابة محددة أو تامة – فعلى الشخص إيجاد تلك الإجابات بنفسه.

ختاما – نتذكر مقولة الفيلسوف أيريك هوفر: "السعي نحو السعادة، أحد أسباب عدم السعادة".