يسعى جميع البشر لتحقيق السعادة. وكما يقول أرسطو بأن السعادة هي الأمر الوحيد
الذي نرغب به لذاته، وكل ما نعمل في الحياة إنما هو سعي لتحقيق غاية نهائية تتمثل
في السعادة. ولكن السعادة ليست مفهوما بسيطا يسهل فهمه ولا شيئا ملموسا يمكن قياسه،
فعندما نسأل: ما هي السعادة؟ لا توجد إجابة مباشرة لهذا السؤال؟، لأن السؤال ذاته
ليس واضحا أو محددا. فهل السعادة حالة عقلية؟ أم أنها حالة نفسية (كالشعور بالرضا عن
الحياة التي نعيشها)، هل السعادة هي اللذة أو المتعة؟ هل السعادة هي المشاعر
الإيجابية؟ أم أن السعادة هي مجمل ما يحققه الإنسان في حياته من خير وطمأنينة
وفائدة لنفسه وللآخرين. ولكي نتعرف قليلا عن فلسفة السعادة، لنبدأ مع مفهوم أرسطو
للسعادة والذي قام بتقسيمها إلى أربع مستويات:
مستوى السعادة الأول Laetus)) حيث ترتبط السعادة بالأمور المادية وتكون مجرد اشباع
حسي يعتمد على أمور خارجية وليست ذاتية. وتولد تلك الأمور المادية الشعور بالسعادة
والذي عال في البداية ولكنه مؤقت أي لا يبقى أثره على المدى البعيد. وهذا النوع من
السعادة مهم للإنسان بالطبع، ولكن الاهتمام بإشباع هذا الجانب فقط دون غيره قد يحول
حياة الإنسان إلى حياة سطحية بلا معنى. فلذة الامتلاك ومتع الحياة المادية لها
حدود – كالسعادة التي تشعر بها عند اقتناء سيارة فاخرة أو قضاء عطلة في بلد ما أو
تناول وجبة لذيذة في مطعم راق. فتلك الأمور تبعث على السعادة الآنية ولا غضاضة في الاستمتاع
بها، ولكن المشكلة تكمن إذا اعتمد الانسان على ذلك النوع من السعادة كمصدر وحيد
للسرور والفرح، ولذلك لابد من الأخذ بعين الاعتبار مصادر ومستويات السعادة الأخرى
كذلك.
مستوى السعادة الثاني(Felix – Ego Gratification)
وفيه يسعى الانسان للسعادة من خلال مقارنة نفسه مع الآخرين وشعوره المستمر
بأنه ينال احتراما وتقديرا أكثر منهم. ومثال على ذلك شعور الإنسان بالسعادة عند الفوز
بجائزة أو مسابقة أو الحصول على ترقية ما. ومن المعلوم بأن الجميع يسعد بالفوز والتقدير
بدرجات مختلفة، فهناك من يرى بأن المنافسة هي محور حياته وهي كل شيء بالنسبة له، وهناك
من لا تعني له المنافسة الشيء الكثير، باعتبارها أمر عادي ولذة مؤقتة. تجدر الإشارة
إلى إن السعادة القائمة على المقارنة المستمرة مع الآخرين ليست سعادة مستقرة، وذلك
لأن لا يمكن لأحد أن يكون الفائز دائما في جميع نواحي الحياة في جميع الأوقات. إن
الولع بهذا النوع من السعادة المبنية على المقارنة له عواقب وخيمة، ولاسيما عند
التعرض للفشل، فقد تتحول السعادة إلى احباط وشعور بالدونية والانهزام النفسي. إن
التركيز المبالغ به على المنافسة والمقارنة وتضخيم الذات قد يعرض الإنسان كذلك لابتعاد
الناس المحيطين ونفورهم منه، وكذلك الوقوع في الغرور والاستغراق في الذات، الشعور
بالغيرة، أو السخرية واستصغار الآخرين.
مستوى السعادة الثالث (Beatitudo) ويكمن
في الرغبة في إسعاد الآخرين من خلال عمل الخير وتحويل العالم لمكان أفضل. هذا المستوى
من السعادة يعتمد على رغبة الإنسان في التواصل، تقديم يد العون، تحقيق غاية سامية،
التعاطف، الصداقة والتي يمكن اختصارها جميعا في كلمة (الحب). في هذا المستوى يستمد
الإنسان سعادته بالابتعاد عن نفسه ورغباته الشخصية الضيقة والسعي لإسعاد الآخرين. ما
يميز هذا النوع من السعادة أنها أكثر بقاءا واستمرارا وتكون المشاعر فيها أكثر
عمقا مقارنة بنوع السعادة الأولى والثانية. إلا أن المستوى الثالث قد يصعب تحقيقه باستمرار
لأن الطبيعة البشرية ليست كاملة أو مثالية والعلاقات الإنسانية بطبيعتها تشوبها
الأنانية، خيبة الأمل، الغيرة، وجرح مشاعر الآخرين.
مستوى السعادة الرابع (Sublime Beatitudo) وهي السعادة
المطلقة والتامة. وهي سعادة يصعب شرحها أو وصفها لأنها سعي حثيث تحو تحقيق ذروة الكمال
من خلال إيجاد التوازن الصحيح لمستويات السعادة الثلاث السابقة. ويسمي علماء النفس
هذا المستوى بالرغبة للوصول للسعادة المطلقة والرغبة في التواصل مع الكون الأوسع تحقيقا
للسمو والارتقاء بالنفس البشرية. وهناك من يسعى لتحقيق هذه السعادة المطلقة من
خلال الالتزام الديني والتصوف، أو التأمل والفلسفة، أو من خلال الفن والعلم.
وتتحقق هذه السعادة لدى الإنسان من خلال سعيه للوصول لإجابة شافية عن الأسئلة
الكبرى التي تشغل عقله وضميره والتي ليس لها إجابة محددة أو تامة – فعلى الشخص
إيجاد تلك الإجابات بنفسه.
ختاما – نتذكر مقولة الفيلسوف أيريك هوفر: "السعي نحو السعادة، أحد
أسباب عدم السعادة".
No comments:
Post a Comment