Wednesday, 20 January 2021

كيف تغير عاداتك اليومية في ثلاث خطوات؟

 

يقول بابلو نيرودا: "ميت هو ذاك الذي يصبح عبدا لعاداته، مكررا نفسه كل يوم". فهل تعلم عزيزي القاريء بأن نصف القرارات التي نتخذها في تصريف شؤون حياتنا اليومية ليست قرارات واعية وإنما هي أفعال مبنية على التعود. فالعادات تلعب دورا هاما في حياتنا ونحن نستسلم لها دون أن نشعر دائما بسيطرتها علينا. إن الحياة هي مجموع العادات التي نمارسها سواء أكانت إيجابية أو سلبية، ويمكن للإنسان تغيير مجريات حياته من خلال ضبط وتطوير عاداته نحو الأفضل. ولكن تغيير العادات ليس أمرا سهلا، فالأنسان يحتاج ما يقارب ستة عشر يوما لكي تثبت عادة ما في عقله، والعادات لا تختفي ولكن يمكن أن تُهزَم وتستبدل بعادات أخرى تحل محلها. وقد كشفت الدراسات على سبيل المثال أن اعتياد الانسان على تقبل ذاته بشكل يومي ومستمر يمكن أن يقود إلى شعور الإنسان بالسعادة على المدى البعيد وذلك مثال على العادة الايجابية.

كيف تتكون العادات؟ إن العادات لدى الإنسان متنوعة، فمنها البسيط مثل التعود على شرب كوب القهوة الصباحي يوميا، ومنها المعقد كالهروب من المشكلات عند وقوعها أو تعود الكذب والمراوغة، وجميعها عادات لا تنشأ لدى الإنسان بين يوم وليلة وإنما يعتادها الإنسان تدريجيا حتى تستقر في حياته وتتحول تدريجيا إلى مكون من طبيعته النفسية. يستخدم العقل العادات كأداة لزيادة فاعلية أداءه، فالعقل يحول سلوكياتنا وأعمالنا اليومية إلى عادات روتينية نقوم بها تلقائيا دون الحاجة إلى الكثير من التفكير. وهذا يسمح للعقل باستغلال طاقته وتوجيهها للتفكير في أمور أكثر أهمية وحل مشكلات جديدة طارئة. هذه الاستراتيجية التي يوظفها العقل لها فوائد كثيرة للإنسان بحيث تحسن أداء التفكير و لا ترهق العقل بالتفكير في الأمور الروتينية والبسيطة باستمرار. ومن الملاحظ أننا عندما نقوم بأمر ما للمرة الأولى فإننا نواجه الكثير من الصعوبة أو نحتاج لطاقة إضافية للتركيز – مثال على ذلك التدرب على قيادة السيارة – ولكن إذا قمنا بهذا العمل مرارا وتكرارا فإن العمل يصير أكثر سهولة وتقل الحاجة للطاقة العقلية لأدائه وتسمى هذه العملية (التجميع Chunking) وهي أصل تكون العادة لدى الفرد. ونحن نلجأ بشكل لا واعي لعملية التجميع هذه في أداء المهمات والافعال المتكررة دائما في حياتنا اليومية.

هناك ثلاث خطوات أساسية (Loop)لتكوين العادة وهي كما يلي:

الإشارة (Cue) وهي التنبيهات التي تؤشر للعقل أين ومتى وأي عادة نستخدم في موقف معين. مثال على ذلك الشعور بالملل أو التوتر.

التكرار أو الروتين (Routine) ويتمثل في الفعل أو السلوك الذي يلي الإشارة. مثال على ذلك عند الشعور بالملل أو التوتر يلجأ الفرد للكحول أو التدخين.

المكافأة (Reward) وهو الشعور الذي يلي الروتين ومن خلاله يحدد العقل الرغبة في عمل الروتين مرة أخرى. مثلا الشعور بالسعادة أو الاسترخاء بعد تناول الكحول أو التدخين يدفع الفرد لتكرار نفس الفعل عند الشعور بالملل أو التوتر.

إن (الإشارة والمكافأة) لها تأثير قوي في تكوين العادات فهي السبب في نشوء الرغبة التي تدفع لتكرار السلوك أو الأفعال فتتحول بمرور الوقت لعادة متأصلة يصعب الإقلاع عنها. فتناول الكحول أو التدخين بعد الشعور بالملل والتوتر قد يتحول لإدمان إذا تم ممارسته بصورة مستمرة.

ماذا نفعل إذا أردنا تغيير تلك العادة؟ لا يكفي فقط الغاء (الروتين) – مثلا التوقف عن الشرب أو التدخين أو تناول الأطعمة السكرية – فالعقل في هذه الحالة سيضطرب لأن دورة تكوين العادة ستصاب بخلل أو فجوة تزيد من الحاح العقل للحصول على المكافأة (السعادة والاسترخاء). ولذلك لابد من استبدال (الروتين) الحالي – الشرب أو التدخين أو تناول الطعام السكري – بروتين آخر يعوض ويعطي نفس المفعول (الشعور بالسعادة). فمثلا عند الشعور بالملل، يلجأ الفرد لممارسة الرياضة أو مشاهدة فيلم ممتع بدلا من شرب الكحول أو التدخين أو الافراط في الطعام. هذه الأنشطة البديلة ستعطي نفس المفعول (الشعور بالاسترخاء) مما يجعل العقل مرتاح لأن الدورة الثلاثية تعمل بشكل صحيح. مع مرور الوقت سيتم استبدال الروتين السيء بالروتين الجيد ويتم استبدال العادة السلبية بأخرى إيجابية.  

هذه الدورة المكونة من ثلاثة أجزاء يمكن الاستفادة منها في فهم كيفية التحكم في العادات وتغييرها نحو الأفضل. يسعى الكثير من الناس التخلص من عادات معينة في حياتهم كالتدخين أو تناول الأطعمة غير الصحية ولكن يواجهون صعوبة في الإقلاع عنها فالرعبة أقوى بالرغم من كثرة المحاولات. المشكلة هنا ليست في قلة الإرادة وإنما في عدم فهم كيفية تكوين العادة وكيفية استبدال جزئية (الروتين). ولذلك ينبغي عند الرغبة في الإقلاع عن عادة معينة أولا تفحص (الروتين) أي تفحص السلوك المراد تغييره (كالتدخين أو الافراط في تناول الطعام مثلا) فما السبب الذي يدفعك للتدخين وما الشعور الذي ترغب بالوصول له وتجده من خلال ممارسة هذا السلوك. وكذلك ينبغي معرفة العوامل التي تعزز من تكرار هذا السلوك.

ختاما، كل إنسان هو قبطان سفينته. فقد يرى بأنه لا يملك حيلة و يشعر بالانهزام الذاتي أمام عاداته. ولكن في الواقع بإمكان الانسان ترك عاداته السلبية واستبدالها بعادات إيجابية متى ما فهم طريقة تكوين هذه العادات وحاول تغييره وضبطها نحو الأفضل.

 

Tuesday, 19 January 2021

مستويات السعادة - الانتقال من السعادة الذاتية إلى السعادة الكونية

 

يسعى جميع البشر لتحقيق السعادة. وكما يقول أرسطو بأن السعادة هي الأمر الوحيد الذي نرغب به لذاته، وكل ما نعمل في الحياة إنما هو سعي لتحقيق غاية نهائية تتمثل في السعادة. ولكن السعادة ليست مفهوما بسيطا يسهل فهمه ولا شيئا ملموسا يمكن قياسه، فعندما نسأل: ما هي السعادة؟ لا توجد إجابة مباشرة لهذا السؤال؟، لأن السؤال ذاته ليس واضحا أو محددا. فهل السعادة حالة عقلية؟ أم أنها حالة نفسية (كالشعور بالرضا عن الحياة التي نعيشها)، هل السعادة هي اللذة أو المتعة؟ هل السعادة هي المشاعر الإيجابية؟ أم أن السعادة هي مجمل ما يحققه الإنسان في حياته من خير وطمأنينة وفائدة لنفسه وللآخرين. ولكي نتعرف قليلا عن فلسفة السعادة، لنبدأ مع مفهوم أرسطو للسعادة والذي قام بتقسيمها إلى أربع مستويات:

مستوى السعادة الأول Laetus))  حيث ترتبط السعادة بالأمور المادية وتكون مجرد اشباع حسي يعتمد على أمور خارجية وليست ذاتية. وتولد تلك الأمور المادية الشعور بالسعادة والذي عال في البداية ولكنه مؤقت أي لا يبقى أثره على المدى البعيد. وهذا النوع من السعادة مهم للإنسان بالطبع، ولكن الاهتمام بإشباع هذا الجانب فقط دون غيره قد يحول حياة الإنسان إلى حياة سطحية بلا معنى. فلذة الامتلاك ومتع الحياة المادية لها حدود – كالسعادة التي تشعر بها عند اقتناء سيارة فاخرة أو قضاء عطلة في بلد ما أو تناول وجبة لذيذة في مطعم راق. فتلك الأمور تبعث على السعادة الآنية ولا غضاضة في الاستمتاع بها، ولكن المشكلة تكمن إذا اعتمد الانسان على ذلك النوع من السعادة كمصدر وحيد للسرور والفرح، ولذلك لابد من الأخذ بعين الاعتبار مصادر ومستويات السعادة الأخرى كذلك.

مستوى السعادة الثاني(Felix – Ego Gratification) وفيه يسعى الانسان للسعادة من خلال مقارنة نفسه مع الآخرين وشعوره المستمر بأنه ينال احتراما وتقديرا أكثر منهم. ومثال على ذلك شعور الإنسان بالسعادة عند الفوز بجائزة أو مسابقة أو الحصول على ترقية ما. ومن المعلوم بأن الجميع يسعد بالفوز والتقدير بدرجات مختلفة، فهناك من يرى بأن المنافسة هي محور حياته وهي كل شيء بالنسبة له، وهناك من لا تعني له المنافسة الشيء الكثير، باعتبارها أمر عادي ولذة مؤقتة. تجدر الإشارة إلى إن السعادة القائمة على المقارنة المستمرة مع الآخرين ليست سعادة مستقرة، وذلك لأن لا يمكن لأحد أن يكون الفائز دائما في جميع نواحي الحياة في جميع الأوقات. إن الولع بهذا النوع من السعادة المبنية على المقارنة له عواقب وخيمة، ولاسيما عند التعرض للفشل، فقد تتحول السعادة إلى احباط وشعور بالدونية والانهزام النفسي. إن التركيز المبالغ به على المنافسة والمقارنة وتضخيم الذات قد يعرض الإنسان كذلك لابتعاد الناس المحيطين ونفورهم منه، وكذلك الوقوع في الغرور والاستغراق في الذات، الشعور بالغيرة، أو السخرية واستصغار الآخرين.  

مستوى السعادة الثالث (Beatitudo) ويكمن في الرغبة في إسعاد الآخرين من خلال عمل الخير وتحويل العالم لمكان أفضل. هذا المستوى من السعادة يعتمد على رغبة الإنسان في التواصل، تقديم يد العون، تحقيق غاية سامية، التعاطف، الصداقة والتي يمكن اختصارها جميعا في كلمة (الحب). في هذا المستوى يستمد الإنسان سعادته بالابتعاد عن نفسه ورغباته الشخصية الضيقة والسعي لإسعاد الآخرين. ما يميز هذا النوع من السعادة أنها أكثر بقاءا واستمرارا وتكون المشاعر فيها أكثر عمقا مقارنة بنوع السعادة الأولى والثانية. إلا أن المستوى الثالث قد يصعب تحقيقه باستمرار لأن الطبيعة البشرية ليست كاملة أو مثالية والعلاقات الإنسانية بطبيعتها تشوبها الأنانية، خيبة الأمل، الغيرة، وجرح مشاعر الآخرين.  

مستوى السعادة الرابع (Sublime Beatitudo) وهي السعادة المطلقة والتامة. وهي سعادة يصعب شرحها أو وصفها لأنها سعي حثيث تحو تحقيق ذروة الكمال من خلال إيجاد التوازن الصحيح لمستويات السعادة الثلاث السابقة. ويسمي علماء النفس هذا المستوى بالرغبة للوصول للسعادة المطلقة والرغبة في التواصل مع الكون الأوسع تحقيقا للسمو والارتقاء بالنفس البشرية. وهناك من يسعى لتحقيق هذه السعادة المطلقة من خلال الالتزام الديني والتصوف، أو التأمل والفلسفة، أو من خلال الفن والعلم. وتتحقق هذه السعادة لدى الإنسان من خلال سعيه للوصول لإجابة شافية عن الأسئلة الكبرى التي تشغل عقله وضميره والتي ليس لها إجابة محددة أو تامة – فعلى الشخص إيجاد تلك الإجابات بنفسه.

ختاما – نتذكر مقولة الفيلسوف أيريك هوفر: "السعي نحو السعادة، أحد أسباب عدم السعادة".