Saturday, 29 April 2023

مراجعة كتاب النسيان - أكتور أباد فاسيولينسي

 

مراجعة كتاب النسيان

 

"انني استخرج هذه الذكريات من داخلي، بما يشبه الولادة أو استئصال مرض خبيث ... أن الذكريات تشبه أصداف البحر الخالدة المبعثرة على شاطئ من النسيان".

وُلد أكتور أباد فاسيولينسي في العام 1958 بمدينة ميديلين في كولومبيا، حيث درس الطب والفلسفة والصحافة. إلا أنه لم يتم دراسة أي من هذه التخصصات بعد أن تعرض للطرد من جامعة "بونتيفيسيا" بسبب مقال كتبه معاد للبابا. سافر أكتور إلى إيطاليا بعد ذلك حيث درس الآداب الحديثة ثم عاد إلى كولومبيا في العام 1987. وهو نفس العام الذي تعرض فيه والده للاغتيال على يد الجماعات شبه العسكرية، كما تلقى أكتور تهديدات بالقتل مما اضطره للسفر إلى إيطاليا مرة أخرى وعمل في تدريس اللغة الاسبانية حتى عودته الثانية لكولومبيا في العام 1992.

بدأ أكتور مشواره الأدبي مبكرا، حيث حصل على الجائزة الوطنية للقصة القصيرة في العام 1980 عن قصة "أحجار الصمت" وهو في سن الحادية والعشرين. وقد نشر عددا من الأعمال الأدبية كرواية "علاقات السيد الماجن، 1994"، و "شذرات حب عابر، 1998"، و "قمامة، 2000" و "أنجوسا، 2003" وغيرها. إلا أن أشهر أعماله وأوفرها حظا هي العمل الحالي الذي نتحدث عنه وهو مذكراته بعنوان "النسيان".

وهذه المذكرات كتبها المؤلف بالحب والدم. حبه لعائلته ولوطنه، والدم الذي يربطه بوالده، والدم المسفوح في القتل والطغيان في بلده كولومبيا. سعى أكتور من خلال سطوره أن ينفس عما يجول في صدره من آلام عايشها شخصيا، وكذلك حاول أن يسجل للتاريخ وقفة محاسبة تجاه الصراع العنيف الذي عانته بلاده لسنوات طويلة.

تقدم هذه المذكرات تقييما معقدا للحياة العامة في كولومبيا. تلك الحياة النابضة بالمواقف الإنسانية السعيدة والمؤلمة والكثير الكثير من العنف والدماء.

أعرب الروائي الكولومبي الكبير – غابريل غارسيا ماركيز – ذات مرة عن ألمه بشأن الحرب الدائرة في بلده قائلا: كانت هناك دائما حرب أهلية في بلدي. وستظل هذه الحرب موجودة دائما. إنها طريقة الحياة.

استمرت الحرب في كولومبيا بما لا يقل عن 150 عاما، بين الليبراليين والمحافظين (الأحزاب الرئيسة في كولومبيا)، وبين العلمانيين والكاثوليك، والثوار المسلحين، وأباطرة المخدرات، والجيش. مما اضطر الكولومبيين للعيش في ما يشبه العصور الوسطى التي لا تنتهي – بحسب تعبير جارسيا ماركيز. هذه الدراما الوطنية ألقت بظلها بطريقة أو بأخرى على كل عائلة كولومبية – وقد نالت عائلة أكتور نصيبها من هذه المعاناة.

يحفل الكتاب بالأفكار السياسية بالمقام الأول، ولكنه لا يخلو من لمسات شخصية وإنسانية تتمثل في الحديث عن تفاصيل طفولة المؤلف ومراهقته، وقد رسم بكلماته لوحة معبرة عن الظروف الاجتماعية والسياسية التي عايشها بكل تفاصيلها (زمانا ومكانا). المكان هو مدينة (ميديلين) ثاني أكبر مدن كولومبيا. أما الزمان ففي الفترة الممتدة من أوائل الستينات من القرن الماضي حتى العام 1987. الشخصية الأساسية في المذكرات هي والد المؤلف.

يقول أكتور: لقد أحببت والدي واحببت رائحته، ذكرى رائحته على السرير عندما كان بعيدا في رحلة، شعرت تجاه والدي بنفس الشعور الذي كان يشعر به أصدقائي تجاه أمهاتهم. لم يكن أبي يقول لي لا أبدا. كان المؤلف يسمي والده المنقذ الوحيد الحقيقي، أو الفارس الوحيد الذي أنار كل شيء بالنسبة لي بنور ذكاءه.

هذا العقد الرقيق بين الأب والابن لم يكسر قط. وإن شاب هذه العلاقة شيء من القسوة أحيانا. ولكن ذلك لم يكسر قوة الحب بينهما.

كان الأب يؤمن بإغداق الحب على الطفل دون تحفظ بالعناق المستمر والقبل المفرطة. لم يكن الأب ثريا، ولكنه ترك محفظته مفتوحة لأطفاله وسمح لهم بالتغيب عن المدرسة ليوم إذا رغبوا في ذلك. لك يكن يضربهم قط ولم يجبرهم على أكل ما لا يحبون. اعتبر الأب أن السعادة هي أفضل شكل من أشكال التعليم. وهذا ما ساهم في تكوين عائلة من الأفراد الذين يتمتعون بالسعادة والثقافة والجمال. لا يتوقف المؤلف عن التفكير بأن حب والده الخانق أحيانا ربما كان طريقة للتعويض عن رحيله المتكرر وابتعاده للعمل خارج البلاد.

كان الأب يحتل كل بوصة من نفسية ابنه. والابن الذي صار مؤلفا ذو شأن وصحفي معروف في كولومبيا كان لا يزال يقيس سلوكه من خلال سؤال نفسه – ماذا كان والدي سيفعل لو كان مكاني في هذا الموقف. إني لأجد نفسي أطيعه حتى الآن.

عمل الأب طبيبا متخصصا في علم الأوبئة. ولكنه كان يكره الدم، الجروح، القيح، البثور، الألم، الأمعاء، السوائل وكل ما هو ملازم لممارسة الطب اليومي. بدلا من ذلك كان شغوفا بالطب الوقائي والعمل على توفير المياه النظيفة، والصرف الصحي الجيد والقضاء على الفقر.

وأسس المدرسة الوطنية الكولومبية للطب العام. ولم يخف مناهضته للكاثوليكية واتصف باللامبالاة تجاه المال (حيث كان يعطي معظم راتبه المتواضع لطلبته وأصدقاؤه). كما اتصف بالتسامح بشكل مفرط، وحرص على المشاركة بنشاط في رعاية أطفاله. بحسب روايته ابنه كان الأب مجنونا، لطيفا، ليبراليا يسعى من أجل العدالة الاجتماعية، وإن كان يعلم بأن أفكاره محكوم عليها بالفشل.

انصب اهتمام الأب بالطب الوقائي وسعى لتوفير مياه الشرب النظيفة والتطعيمات لفقراء كولومبيا. وفي أثناء عمله كمدرس للطب كان يجبر طلابه على دراسة الأمراض الناجمة عن الفقر في أحياء المدن الفقيرة على أمل أن يتعلموا الطب لخدمة هذه الفئات المحرومة وليس لعلاج الأثرياء في العيادات الخاصة.

يستسلم المؤلف أحيانا لإضفاء القداسة على والده، ولكنه في أحيان أخرى يصفه بأنه هجين أيديولوجي. فقد وصفه التيار اليساري بأنه برجوازي بسبب معارضته للكفاح المسلح وتحالفه العرضي مع السياسيين المحافظين الذي يمكن توطيد العلاقة معهم لتعزيز سياسيات الرعاية الصحية التي اقترحها. ولكن كان أعداؤه السياسيين تيار اليمين بالدرجة الأولى. ولو كان يعيش في الولايات المتحدة لكان من الممكن أن يعد واحدا من الديموقراطيين ذوي الميول اليسارية. ولكن في كولومبيا اكتسب عداوة الجهات الرسمية بسبب مبادراته الناقدة والهادفة لتطوير الأحياء الفقيرة.

الانقسامات الأيدولوجية الواضحة في عائلة المؤلف عكست بوضوح الانقسامات القائمة في البلد ككل. فقد كانت والدة المؤلف مسيحية متدينة تواظب على حضور الكنيسية يوميا. وقد نشأت في ظل أسرة بها الكثير من الأساقفة والكهنة المناهضين لليبرالية – بدرجة تصل للتطرف أحيانا. أما أقارب المؤلف من جهة الأب فقد كانوا مشتتين بين الاتجاه الليبرالي والاتجاه المحافظ. وتجدر الإشارة إلى أن جد المؤلف كان مستهدفا وتعرض للتهديد بالقتل مما اضطره إلى التخلي عن مزرعته والفرار مع أطفاله إلى منطقة نائية أكثر أمنا في البلاد. وهذا ما جعله أوفر حظا من العديد من الكولومبيين خلال الحرب الأهلية غير المعلنة والمعروفة باسم La Violencia  والتي اندلعت في العام 1948 واستمرت لعقد من الزمن تقريبا واسفرت عن مقتل ما يقارب مائتي ألف كولومبي. وحتى بعد انتهاء تلك الحرب لم تنعم الدولة بالاستقرار واستمر الصراع الدامي.

سافر والد المؤلف للعمل مستشارا في منظمة الصحة العالمية مبتعدا عن تلك الأجواء وكان غيابه يمثل للمؤلف حرمانا من الشعور بالأمن والحماية مما اعتبره بمثابة "الموت حيا".

أصرت الأم على الحاقه بمدرسة دينية مسيحية ولم يكن الأب راضيا عن ذلك في قرارة نفسه حيث قال: اذهب إلى القداس حتى لا تقلق والدتك، ولكن تذكر أن ذلك كله أكاذيب. ولكن هذا الاختلاف الفكري بين الأب والأم لم ينتج عنه خلاف يضعف زواجهم. فكان للأم فطنة مالية مكنتها من تأسيس مكتب تجاري تحول لشركة مزدهرة مما ساهم في استقرار الأسرة ماديا وسمح للأب والأم بالمحافظة على استقلالهم الايدلوجي والفكري.

اضطر الأب للتخلي عن منصبه كأستاذ لمادة الطب خلال تصاعد العنف السياسي. حيث كان الأب يندد بفرق الموت التي كانت تستهدف المعارضين السياسيين والذي كان أفرادها يتمتعون بالحماية والافلات من العقاب. تلك الفرق كانت تستهدف أساسا العصابات اليسارية المتطرفة المسيطرة على المناطق الريفية ولكنها كثيرا ما توسع نطاق أهدافها لتشمل كل خصومها ومعارضيها. كان الأب من القلة الذين يجرؤن على مواجهتهم وذلك جعله منبوذا ومن ضمن الأسماء في قائمة الاغتيالات. لم تخلو تلك العمليات من البربرية، حيث لم يكن يتم تصفية الضحايا فحسب، وإنما يتم تقطيع أطرافهم والتمثيل بهم. في إحدى عمليات القتل البربرية تلك تم تقييد طالب على عمود وتم تفجيره بقنبلة يدوية حولته إلى أشلاء.

شعر الأب حينذاك بأنه لن يكون قادرا على العيش مع نفسه إذا التزم الصمت. وشعر بالخطر المحدق به واعتبر استشهاده بمثابة الموت الجميل. وبالفعل تم تصفية الأب في أحد شوارع مدينة ميديلين على أيدى عصابة مجهولة.

انتظر المؤلف عشرون عاما لكي يكتب مذكراته واعتبر أن الانتظار أمر ضروري حيث أعطى نفسه فرصة كافية لتجنب "الخطر المزدوج المتمثل في الحنين إلى الماضي والشعور بالمرارة اليائسة".

في الختام – يقول المؤلف: "لم أشعر أبدا بأنني شخص جيد، ولكنني أعتقد بأنه بفضل والدي تمكنت أحيانا من أكون رجلا سيئا (غير ممارس)".

 

المصادر:

Héctor Abad. Oblivion: A Memoir (2013)

Michael Greenberg. Letter to my father. New York Times. (18/5/2012)

Dwight Garner. Honouring a father’s memory with words craved more deeply then an epitaph.

 

 

 

مراجعة كتاب القوانين الأساسية للغباء البشري

 

 

مراجعة كتاب القوانين الأساسية للغباء البشري

للمؤلف الإيطالي كارلو ماريا تشيبولا

بقلم: أسامة المهدي

 

تواجه البشرية عبر تاريخها الكثير من المصائب، وعندما نبحث عن أسبابها نجد مجموعة من البشر يعملون معا بقوة قصوى وتأثير عظيم يتجاوز قوة عصابات المافيا والجيوش الجرارة وذوي المال والنفوذ. إنهم جماعة غير منظمة، تعمل بلا قانون، ليس لهم رئيس ولا زعيم. ومع ذلك فهم يعملون بتناغم مذهل وكأنما هناك يد خفية توجه كل فرد منهم لإتمام مهمته الخطرة على أتم وجه. هذه الجماعة هم الأغبياء.

القانون الأول: "سيكون هناك بشر أغبياء أكثر مما تظن". فغالبا ما نتفاجأ من غباء أشخاص لطالما اعتقدنا بأنهم يتمتعون بالذكاء أو لأنهم يحملون شهادة ما أو يحتلون منصبا ما.

القانون الثاني: "احتمالية أن يكون شخص ما غبياً، مستقلة عن أي سمة أخرى يتصف بها هذا الشخص" (المكان، الزمان، الوظيفة، الدرجة العلمية، المستوى الاجتماعي). بمعنى أن الغباء موزع على البشرية حاله حال لون العيون أو طول القامة أو قصرها. أي أنه محكوم بالطبيعة وليس بالتربية أو الجنس أو المستوى العلمي أو المادي أو الاجتماعي، ولا الوظيفة أو المكان أو الزمان، وهو موجود في كافة المجتمعات والشعوب. بل أنه موجود حتى بين الحاصلين على جوائز نوبل. يرى المؤلف أن الغباء هو آلية طبيعية موجودة لكبح جماح التطور البشري المتسارع.   

القانون الثالث: "الشخص الغبي هو ذاك الذي يكبد شخصاً آخر أو أشخاصاً آخرين خسائر، وفي الوقت ذاته لا يحقق لنفسه أي مكسب، بل لعله يتكبد خسائر أيضاً". هناك أربعة أنواع من البشر:

-         المغلوب على أمره: والذي يخسر مقابل فوز الطرف الآخر.

-         الذكي: والذي يربح، وكذلك يربح الطرف الآخر.

-         اللص: والذي يربح، على حساب خسارة الطرف الآخر.

-         الغبي: الذي يخسر وكذلك يجعل الآخرين يخسرون.

لماذا يصل الشخص الغبي للمنصب الهام في كثير من الأحيان؟ ساهم التقسيم الاجتماعي الطبقي في الماضي إضافة إلى السلطة الدينية إلى صعود نجم الكثير من الأغبياء واحتلالهم مناصب مهمة، وفي الوقت الحالي تلعب البيروقراطية والديموقراطية الدور نفسه (حيث يقوم الأغبياء بانتخاب المرشحين الأغبياء كذلك). ما يميز الأغبياء أن تصرفاتهم غير عقلانية، يصعب فهمها أو التنبؤ بها وهذا يؤدي إلى صعوبة التعامل معهم بعقلانية أو الاستعداد للتصرف عندما يقدمون على حماقة ما بصورة مفاجئة.    

القانون الرابع: " دائماً ما يقلل غير الأغبياء من شأن قدرة الأغبياء على إلحاق الأذى، وبالتالي، فإن إغفال تصرفات الأغبياء من قبل غير الأغبياء من شأنه أن يكبد الجنس البشري خسائر لا حصر لها." الشخص الغبي هو الأكثر خطرا على الجنس البشري.  

الفلسفة الرواقية وقصر الحياة

يعد سينيكا من أشهر فلاسفة الرواقية الرومان، إضافة إلى ماركوس أرليوس و أبكتتوس، وقد عمل مستشارا للإمبراطور الدموي نيرو. كتب سينيكا هذا الكتاب القصير حوالي سنة خمسين قبل الميلاد كمقالة طويلة موجهة لمسؤول روماني كبير ينصحه فيها حول كيفية استعادة السيطرة على الحياة بالعيش على أكمل وجه.

الفكرة الأساسية في الكتاب: ليست المشكلة بأن لدينا وقت قصير للعيش في هذه الحياة، ولكن المشكلة أننا نهدر الكثير من الوقت على أمور لا تفيدنا. هذه الأمور تجعلنا نخسر حياتنا الوحيدة التي لا يمكن تعويضها.

يرى سينيكا أننا نعيش حياة قصيرة بسبب انشغالنا بطموحات كبيرة قد تؤدي لخسارة وقتنا، مثال على ذلك الانشغال بجمع المال دون توفر الوقت للاستمتاع بصرفه، أو الانخراط في الرذيلة والملذات التي لا تجلب للإنسان سوى الندم والحسرة، أو الانشغال بإرضاء الآخرين ورسم صورة اجتماعية تسعى لكسب انتباه الاخرين من خلال المباهاة والمبالغة في المظاهر، أو الإدمان على العمل لدرجة تفقد الإنسان طعم الحياة بسبب العيش المستمر في حالة من القلق والتوتر. يؤكد سينيكا أن العديد من الناس يحرص على أمواله سواء بالادخار أو الاستثمار ولكنه يبدد وقته دون أن يعرف أن الوقت أثمن من المال.

يرى سينيكا أن الحل الممكن هو اهتمام الانسان بالتأمل في أحواله ومراجعة نفسه من خلال قراءة الفلسفة، والعمل على تحديد أهداف ذات مغزى يسعى الإنسان لتحقيقيها ولا يتشتت أو يتراخى في تنفيذها، وكذلك تخصيص وقت للترفيه والتسلية بصورة متوازنة.

الإنسان من وجهة نظر سينيكا يعيش حياة واحدة ولكنه يظن أن الوقت الذي يهدره سيتم تعويضه لاحقا، ولا يدرك ذلك إلا بعد فوات الأوان. إن إضاعة الوقت هو أسوأ شيء يمكن أن يفعله الإنسان، وهناك الكثير من الأمور والأشخاص الذين يسلبون وقت الإنسان. لذلك تقدم الرواقية نصيحة وهي (تذكر دائما أنك ستموت) ولا تضيع ثانية من وقتك إلا فيما هو مفيد لك أو يخدم هدفك في الحياة.

يقول سينيكا أن الإنجازات العظيمة في الحياة لها ثمن غال وهو وقت الإنسان والحياة المليئة بالالتزامات والخالية من وقت الفراغ أو الراحة. وقد كان القيصر أوغسطوس يتنمى الانعتاق من مسؤوليات العديدة ويتوق للعيش في حياة تسودها الطمأنينة والسكينة وأن يعيش يوما واحد لنفسه. فهذا القيصر رغم فتوحاته العظيمة وسيطرته على البشر، لم يتمكن من السيطرة على حياته لأنه لم يكن حرا في استخدام وقته بالطريقة التي يريدها. إن العظمة من وجهة النظر الرواقية قد تكون فخا مروعا، فتلك المسؤوليات تقضي على الحياة الوحيدة الممكنة للإنسان.

يؤكد سينيكا على التوازن في حياة الإنسان. فلا تكون كل الأيام عمل وكد وجهد، ولا تكون كذلك راحة وترفيه بلا معنى. المهم هو تحكم الإنسان في وقته واختياراته. كما انتقد  سينيكا نمط الحياة القائمة على المظاهر والمباهاة واعتبرها مضيعة للوقت. ولهذه النقطة علاقة كبيرة بنمط الحياة المادي الاستهلاكي الذي نعيشه في حياتنا الحديثة. حيث باتت وسائل التواصل الاجتماعي من أهم عوامل التشتيت وضياع الوقت، وقيل أن شاشات الهواتف والتلفاز تمتص روح الإنسان وتحول حياته إلى مجرد وجود بلا معنى.

من أهم الدروس المستقاة من هذا الكتاب: أن البعض من الناس يمكن اعتبار حياته كالقارب الراسي في الميناء، يهتز يمينا وشمالا وتتلاطمه الأمواج، ولكنه لم يبحر يوما ما بعيدا عن الشاطئ. فحياة الانسان في هذه الحالة مجرد دوران في نفس المكان. ولتجنب هذه المشكلة لابد للإنسان أن يسأل نفسه يوميا: هل أعيش هذه الحياة حقا؟ وكيف أعيش الحياة بصورة أفضل؟ كما لابد للإنسان أن يتذكر الموت يوميا وأن ما تبقى من أيام الحياة لابد من استثمارها على أكمل وجه.