Saturday, 29 April 2023

الفلسفة الرواقية وقصر الحياة

يعد سينيكا من أشهر فلاسفة الرواقية الرومان، إضافة إلى ماركوس أرليوس و أبكتتوس، وقد عمل مستشارا للإمبراطور الدموي نيرو. كتب سينيكا هذا الكتاب القصير حوالي سنة خمسين قبل الميلاد كمقالة طويلة موجهة لمسؤول روماني كبير ينصحه فيها حول كيفية استعادة السيطرة على الحياة بالعيش على أكمل وجه.

الفكرة الأساسية في الكتاب: ليست المشكلة بأن لدينا وقت قصير للعيش في هذه الحياة، ولكن المشكلة أننا نهدر الكثير من الوقت على أمور لا تفيدنا. هذه الأمور تجعلنا نخسر حياتنا الوحيدة التي لا يمكن تعويضها.

يرى سينيكا أننا نعيش حياة قصيرة بسبب انشغالنا بطموحات كبيرة قد تؤدي لخسارة وقتنا، مثال على ذلك الانشغال بجمع المال دون توفر الوقت للاستمتاع بصرفه، أو الانخراط في الرذيلة والملذات التي لا تجلب للإنسان سوى الندم والحسرة، أو الانشغال بإرضاء الآخرين ورسم صورة اجتماعية تسعى لكسب انتباه الاخرين من خلال المباهاة والمبالغة في المظاهر، أو الإدمان على العمل لدرجة تفقد الإنسان طعم الحياة بسبب العيش المستمر في حالة من القلق والتوتر. يؤكد سينيكا أن العديد من الناس يحرص على أمواله سواء بالادخار أو الاستثمار ولكنه يبدد وقته دون أن يعرف أن الوقت أثمن من المال.

يرى سينيكا أن الحل الممكن هو اهتمام الانسان بالتأمل في أحواله ومراجعة نفسه من خلال قراءة الفلسفة، والعمل على تحديد أهداف ذات مغزى يسعى الإنسان لتحقيقيها ولا يتشتت أو يتراخى في تنفيذها، وكذلك تخصيص وقت للترفيه والتسلية بصورة متوازنة.

الإنسان من وجهة نظر سينيكا يعيش حياة واحدة ولكنه يظن أن الوقت الذي يهدره سيتم تعويضه لاحقا، ولا يدرك ذلك إلا بعد فوات الأوان. إن إضاعة الوقت هو أسوأ شيء يمكن أن يفعله الإنسان، وهناك الكثير من الأمور والأشخاص الذين يسلبون وقت الإنسان. لذلك تقدم الرواقية نصيحة وهي (تذكر دائما أنك ستموت) ولا تضيع ثانية من وقتك إلا فيما هو مفيد لك أو يخدم هدفك في الحياة.

يقول سينيكا أن الإنجازات العظيمة في الحياة لها ثمن غال وهو وقت الإنسان والحياة المليئة بالالتزامات والخالية من وقت الفراغ أو الراحة. وقد كان القيصر أوغسطوس يتنمى الانعتاق من مسؤوليات العديدة ويتوق للعيش في حياة تسودها الطمأنينة والسكينة وأن يعيش يوما واحد لنفسه. فهذا القيصر رغم فتوحاته العظيمة وسيطرته على البشر، لم يتمكن من السيطرة على حياته لأنه لم يكن حرا في استخدام وقته بالطريقة التي يريدها. إن العظمة من وجهة النظر الرواقية قد تكون فخا مروعا، فتلك المسؤوليات تقضي على الحياة الوحيدة الممكنة للإنسان.

يؤكد سينيكا على التوازن في حياة الإنسان. فلا تكون كل الأيام عمل وكد وجهد، ولا تكون كذلك راحة وترفيه بلا معنى. المهم هو تحكم الإنسان في وقته واختياراته. كما انتقد  سينيكا نمط الحياة القائمة على المظاهر والمباهاة واعتبرها مضيعة للوقت. ولهذه النقطة علاقة كبيرة بنمط الحياة المادي الاستهلاكي الذي نعيشه في حياتنا الحديثة. حيث باتت وسائل التواصل الاجتماعي من أهم عوامل التشتيت وضياع الوقت، وقيل أن شاشات الهواتف والتلفاز تمتص روح الإنسان وتحول حياته إلى مجرد وجود بلا معنى.

من أهم الدروس المستقاة من هذا الكتاب: أن البعض من الناس يمكن اعتبار حياته كالقارب الراسي في الميناء، يهتز يمينا وشمالا وتتلاطمه الأمواج، ولكنه لم يبحر يوما ما بعيدا عن الشاطئ. فحياة الانسان في هذه الحالة مجرد دوران في نفس المكان. ولتجنب هذه المشكلة لابد للإنسان أن يسأل نفسه يوميا: هل أعيش هذه الحياة حقا؟ وكيف أعيش الحياة بصورة أفضل؟ كما لابد للإنسان أن يتذكر الموت يوميا وأن ما تبقى من أيام الحياة لابد من استثمارها على أكمل وجه.


No comments:

Post a Comment